وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في وقت تحتفل فيه الصين ومصر بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وقبل فترة وجيزة من اجتماع محتمل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر سبتمبر. وتأتي الزيارة في ظل اهتمام صيني متزايد بالنظام الأمني الإقليمي الناشئ، بينما تسعى قوى الشرق الأوسط إلى تعزيز استقلالية قرارها بعيدًا عن واشنطن.
وجاءت الزيارة، وفقًا لتي آر تي وورلد، وسط تصاعد جديد للتوترات الإقليمية، بعدما شنت القوات الأمريكية هجمات على أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني، وردت طهران بمهاجمة قواعد أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط. وفي حين التزمت مصر إلى حد كبير الصمت إزاء التوتر بين واشنطن وطهران، أدانت القاهرة الهجمات الإيرانية الأخيرة على دول عربية.
وخلال الزيارة، دعا شي ورئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي إلى التوصل إلى «اتفاق شامل» لإنهاء الحرب مع إيران، ووقع البلدان أكثر من 20 اتفاقية شملت اتفاقًا يسمح لبكين باستكمال المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المشتركة في منطقة قناة السويس، بما يعزز الحضور الاقتصادي الصيني على أحد أهم طرق التجارة العالمية.
وتربط القاهرة وبكين علاقات اقتصادية واسعة، إذ اقترب حجم التجارة الثنائية بين البلدين من 21 مليار دولار، في ظل مواءمة مصر بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية.
وقال ألتاي أتلِي، الخبير في السياسة الصينية والباحث البارز في مركز إسطنبول للسياسات التابع لجامعة صابانجي، لتي آر تي وورلد، إن هناك «مصلحة اقتصادية واضحة لدى الجانبين، خصوصًا في ظل الظروف الراهنة في المنطقة».
وأشار أتلِي إلى المخاوف المتزايدة لدى البلدين من أن تؤدي الحرب في إيران إلى تعطيل التجارة العالمية بسبب التوترات في مضيقي باب المندب وهرمز.
لماذا تحظى مصر بأهمية استراتيجية للصين؟
تهدد التوترات في مضيقي هرمز وباب المندب حركة التجارة البحرية، وهو ما يثير قلق مصر والصين على حد سواء. وتعتمد مصر بدرجة كبيرة على حركة التجارة عبر قناة السويس، ولذلك تخشى القاهرة من أن تؤدي هجمات الحوثيين المدعومين من إيران في باب المندب إلى تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر وتقليص إيرادات القناة.
وتواجه مصر، التي تعاني من أعباء ديون هيكلية كبيرة، هشاشة اقتصادية تجعلها أكثر تأثرًا بالصراعات الإقليمية، ومنها الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة.
أما الصين، باعتبارها مستهلكًا رئيسيًا للنفط الخليجي، فتراقب الصراع مع إيران عن كثب، بعدما أدت عمليات إغلاق أو تعطيل الملاحة في المضيقين الرئيسيين بالمنطقة إلى اضطراب شحنات الطاقة العالمية.
وقال أتلِّي إن الذكرى السنوية للعلاقات الدبلوماسية وفرت مناسبة للزيارة، لكن القضية الأعمق تتمثل في «مصلحة مشتركة في الاستقرار الإقليمي»، في إشارة إلى إمكانية تعزيز التعاون المصري الصيني لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.
ويرى أتلِّي أن إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، رغم هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، دفع مزيدًا من ناقلات النفط إلى استخدام قناة السويس، ما زاد الأهمية الاستراتيجية للممر الملاحي في وقت ترفع فيه الصين استثماراتها هناك.
ولا تقتصر أهمية مصر بالنسبة إلى الصين على موقعها الجغرافي وقناة السويس، إذ يمكن للقاهرة أن تساعد بكين على توسيع علاقاتها مع الدول العربية ومع القارة الأفريقية أيضًا، بالنظر إلى انخراط مصر في عدد من الملفات والصراعات الإقليمية، ومنها فلسطين والسودان وليبيا.
وقالت دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، لتي آر تي إن مصر تمنح الصين «الجغرافيا والأسواق والشرعية السياسية» في اللحظة التي تسعى فيها بكين إلى تعزيز دورها في الشرق الأوسط.
مصر بين واشنطن وبكين
تبرز مصر أيضًا باعتبارها الدولة العربية الأكثر سكانًا، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات جيدة مع كل من الصين والولايات المتحدة، وهو ما يجعلها، بحسب أتلِّي، «نقطة تقارب محتملة» بين واشنطن وبكين.
وقال أتلِّي إن مصر تواصل تنويع شراكاتها، فتستقطب الاستثمارات والتعاون الصينيين دون التخلي عن علاقتها بالولايات المتحدة، بينما تبدو الصين مرتاحة لدور الشريك المهم ضمن مجموعة من الشركاء، بدلًا من محاولة دفع مصر إلى الانضمام حصريًا إلى معسكرها.
ورغم العلاقات الاقتصادية الكبيرة بين مصر والصين، تظل القاهرة ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، إذ تحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا، في إطار سياسة خارجية تقوم على «التوازن الاستراتيجي».
وترى ظافر أن تعامل شي مع شريك قريب من الولايات المتحدة يسمح للصين بإظهار أن تعميق العلاقات مع بكين لا يستلزم من الحكومات التخلي رسميًا عن واشنطن.
وقد يشكل هذا التوازن بين القوتين العظميين أحد أسباب زيارة شي للقاهرة قبل اجتماعه المحتمل مع ترامب في أواخر سبتمبر.
وقال المحلل الجيوسياسي والخبير الاقتصادي الدولي دان شتاينبوك إن الصين تريد توجيه القاهرة إلى «القيادة من المركز»، لأن بكين تدعم «بنية تتطور في دوائر متحدة المركز».
وأضاف شتاينبوك لتي آر تي أن مصر يمكن أن تؤدي دور «المرساة البحرية» لهذا النظام الجديد، بما يساعد على منع التدخل في نقاط الاختناق الاستراتيجية بالمنطقة.
ويرى قادر تميز، مدير مركز ORSAM البحثي ومقره أنقرة، أن زيارة شي إلى مصر قد تحمل أيضًا رسالة مشفرة إلى إدارة ترامب، مفادها أنه إذا عجزت الولايات المتحدة عن ضمان الاستقرار الإقليمي، فإن الصين وشركاءها في الشرق الأوسط قادرون على تقديم نظام بديل يقوم على الاستقلالية الإقليمية.
«الاستقلالية الإقليمية».. رؤية صينية لنظام أمني جديد
تأتي زيارة شي أيضًا في ظل ما وصفه أتلِّي بأنه «اتجاه إقليمي أوسع»، إذ تبحث دول عدة في الشرق الأوسط عن سبل للابتعاد عن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية والانتقال نحو منظومة أمن إقليمي أكبر، وهو ما ظهر في اتفاق مكة الأخير بين تركيا والسعودية وباكستان.
وقال أتلِّي إن مقترح شي المؤلف من أربعة محاور، والذي يركز على تعزيز «الاستقلالية الاستراتيجية» للمنطقة، ينسجم مع هذا الاتجاه. وأشار إلى أن الصين لم تذكر في مقترحها إيران أو الولايات المتحدة بالاسم.
ودعا شي دول الشرق الأوسط إلى أن تكون «سيدة قرارها»، وأن ترفض التدخلات الخارجية، وأن تعتمد الحوار الإقليمي لمعالجة قضايا السلام والأمن.
ويرتكز المقترح الصيني على مفهوم الأمن «المشترك والشامل والتعاوني والمستدام»، وهو ما يقترب من الفكرة الأساسية التي يقوم عليها اتفاق مكة، والقائلة بضرورة تقليل اعتماد دول المنطقة على الضمانات الأمنية الخارجية وتعزيز قدراتها على العمل المشترك.
لكن أتلِّي شدد على أن اتفاق مكة ومقترح شي في القاهرة «شيئان مختلفان جدًا»، موضحًا أن اتفاق مكة يمثل ميثاقًا دفاعيًا يتضمن التزامات محددة، بينما يقوم المقترح الصيني على إطار دبلوماسي واقتصادي أوسع بكثير.
وأضاف أن الصين تحاول ترسيخ موقعها باعتبارها لاعبًا مكملًا في البيئة الإقليمية الناشئة، بدلًا من محاولة إنشاء ترتيبات مثل اتفاق مكة أو الانضمام إليها.
وشاركت القاهرة أيضًا في إطار رباعي ضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، ظهر في أعقاب التوترات الأمريكية الإيرانية وسعى إلى إيجاد مسار ثالث لمعالجة النزاعات الإقليمية. ورغم عدم انضمام مصر إلى اتفاق مكة، تتوقع أنقرة أن تنضم القاهرة إلى الميثاق الدفاعي في مرحلة لاحقة.
وقال شتاينبوك إن شي دعا خلال زيارته بوضوح دول الشرق الأوسط إلى بحث إنشاء منظومة أمنية جديدة ومستقلة ورفض التدخل الخارجي، معتبرًا أن الصين تدعم، عبر هذا الموقف، ترتيبات أمنية تنشأ من داخل المنطقة وتقودها دولها بدلًا من القوى الخارجية.
وترى ظافر أيضًا أوجه تشابه بين النهجين، قائلة إن رسالة شي في القاهرة «تنسجم بشكل لافت مع المنطق السياسي» الذي يقوم عليه اتفاق مكة.
لكنها أوضحت أن الصين لا تعرض نفسها باعتبارها «الضامن الأمني الجديد للمنطقة»، رغم تأييدها لتعزيز الاستقلالية الأمنية الإقليمية.
وأضافت أن البيان المصري الصيني لا يذكر اتفاق مكة ولا يتضمن التزامًا بالدفاع الجماعي، موضحة أن الصين تبدو مهتمة بالمساعدة في إضفاء الشرعية على منظومة أمن إقليمية جديدة دون تحمل مسؤولية ضمانها بالطريقة التي اتبعتها الولايات المتحدة تاريخيًا، معتبرة أن هذا الفرق «بالغ الأهمية».
وأكدت الدول الموقعة على اتفاق مكة علنًا أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة بعينها، وإنما يسعى إلى تطوير منظومة أمنية إقليمية. وأعلن وزراء خارجية الدول الثلاث مؤخرًا إنشاء لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، في خطوة تعكس تزايد الطابع المؤسسي للاتفاق.
وقال تميز إن أهمية زيارة شي تكمن أيضًا في أنه طرح، قبل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة، رؤية تؤكد ضرورة أن تتولى القوى الإقليمية زمام المبادرة في التعامل مع أوضاعها.
وأضاف أن دعوة شي الدول إلى إطلاق مبادراتها الخاصة بدلًا من الاعتماد على قوى خارجية لتحديد شكل المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط تنسجم بصورة لافتة مع الخطاب الذي طورته السعودية وتركيا وباكستان.
ويرى هونجدا فان، الأستاذ الصيني ومدير مركز الصين والشرق الأوسط في جامعة شاوشينغ، أن بكين تتابع عن كثب تصاعد التوترات في المنطقة الغنية بالنفط، وهو ما يضيف أهمية أخرى إلى زيارة شي للقاهرة.
وقال فان لتي آر تي إن بكين تراقب بالتأكيد التعاون بين القوى الرئيسية في الشرق الأوسط.
وأضاف أن الصين أعربت مرارًا عن دعمها لحق دول الشرق الأوسط في «تقرير مصيرها» وتعزيز التعاون فيما بينها، مشيرًا إلى أن بكين تشجع خصوصًا على تشكيل إطار أمني تقوده القوى الإقليمية الكبرى بما يحقق الاستقرار والسلام في المنطقة.
ويخدم هذا التوجه المصالح الصينية، إذ إن استقرار الشرق الأوسط يعود بالنفع على بكين. وفي نهاية المطاف، يعتمد تحقيق الأهداف الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط على تعاون القوى الرئيسية في المنطقة ودعمها وتنسيقها.
https://www.trtworld.com/article/d4b62c9d6bc4

